عبد القاهر الجرجاني

122

دلائل الإعجاز في علم المعاني

نوع برأسه ، وذلك كنحو أن يقيّد بالحال والوقت ، كقولك : " هو الوفيّ حين لا تظن نفس بنفس خيرا " " 1 " . وهكذا إذا كان الخبر بمعنى يتعدّى ، ثم اشترطت له مفعولا مخصوصا ، كقول الأعشى : [ من المتقارب ] هو الواهب المائة المصطفاة ، إمّا مخاضا وإمّا عشارا " 2 " فأنت تجعل الوفاء في الوقت الذي لا يفي فيه أحد ، نوعا خاصّا من الوفاء ، وكذلك تجعل هبة المائة من الإبل نوعا خاصّا ، وكذا الباقي . ثم إنّك تجعل كل هذا خبرا على معنى الاختصاص ، وأنه للمذكور دون من عداه . ألا ترى أن المعنى في بيت الأعشى : أنه لا يهب هذه الهبة إلّا الممدوح ؟ وربما ظنّ الظانّ أن " اللام " في " هو الواهب المائة المصطفاة " بمنزلتها في نحو " زيد هو المنطلق " ، من حيث كان القصد إلى هبة مخصوصة ، كما كان القصد إلى انطلاق مخصوص . وليس الأمر كذلك ، لأن القصد هاهنا إلى جنس من الهبة مخصوص ، لا إلى هبة مخصوصة بعينها . يدلّك على ذلك أنّ المعنى على أنه يتكرّر منه ، وعلى أن يجعله يهب المائة مرة بعد أخرى ، وأما المعنى في قولك : " زيد هو المنطلق " ، فعلى القصد إلى انطلاق كان مرة واحدة ، لا إلى جنس من الانطلاق . فالتكرر هناك غير متصوّر ، كيف ؟ وأنت تقول : جرير هو القائل : وليس لسيفي في العظام بقية تريد أن تثبت له قيل هذا البيت وتأليفه . فافصل بين أن تقصد إلى نوع فعل ، وبين أن تقصد إلى فعل واحد متعيّن ، حاله في المعاني حال زيد في الرجال ، في أنه ذات بعينها . والوجه الثالث : أن لا يقصد قصر المعنى في جنسه على المذكور ، لا كما كان في " زيد هو الشجاع " ، تريد أن لا تعتدّ بشجاعة غيره ولا كما ترى في قوله : " هو

--> ( 1 ) قالها جبار بن مسلم بن سلمى عندما وقف على قبر عامر بن الطفيل ( كان واللّه لا يضل حتى يضل النجم ولا يعطش حتى يعطش البعير ولا يهاب حتى يهاب السيف وكان واللّه خير ما يكون حين لا تظن نفس بنفس خيرا ) . الإصابة ( 1051 ) . ( 2 ) البيت في ديوانه ( 40 ) ، والإيضاح ( 105 ) ، تحقيق د . هنداوي ، المخاض : الحوامل من النوق واحدتها " خلف " بفتح فكسر ففتح ، من غير لفظ الجمع ، العشار : المناسب من معانيها لما في البيت من تفصيل أنها الوالدات من الإبل ، واحدتها " عشراء " . كنفساء زنة ومعنى ، الأول في الإبل ، والثاني في النساء .